وداعاً للحقائب المدرسية

“وداعا للحقائب المدرسية ولتحيا اللويحات (tablettes)”، هكذا عبرت “سارة” ابنة الثلاثة عشر ربيعا، مثل غيرها من التلاميذ في سوق اهراس و عنابة و تلمسان و الجزائر وغيرها من الولايات عبر الوطن، عن سعادتها بإدخال الألواح الرقمية في حياة الطلاب، محدثة ثورة فيها.

بهذه المقدمة اخبرنا المدير العام عبدالمجيد بن حمادي الرئيس المدير العام لمجمع كندور إلى اهتمام الجزائر اليوم بالبنية التحتية الرقمية لمدارسها من الابتدائي الى المتوسط و الثانوي.

بالنسبة للمدير العام لمجمع كندور  اختفت الكتب المدرسية والدفاتر، فدروسهن وفروضهن محفوظة في الجهاز اللوحي الصغير الذي زودتهن به المدرسة منذ مطلع العام الدراسي. ونيكول، مثل كثير من تلامذة دول آسيا الأكثر تقدما، تستفيد من التكنولوجيا الأحدث منذ طرحها في الأسواق، وغالبا قبل ذويهم، ففي اليابان أطلقت الحكومة مشروعا تجريبيا ل”مدرسة المستقبل” يسمح للطلاب بحل واجباتهم على الشاشة الصغيرة التي تعمل باللمس، بينما يقدم المعلم درسه بواسطة لوح إلكتروني تفاعلي، وتعتبر كوريا الجنوبية إحدى الدول الأكثر حماسة للتكنولوجيا، ومدارسها مجهزة بنطاقات “واي فاي”، كما تم برمجة الكتب المدرسية فيها على شكل أجهزة لوحية منذ عام 2007م.

“أحب آي باد، لأنه لم يعد علينا أن نحمل حقائب محشوة بالكتب والدفاتر” بهذه العبارة لخصت المراهقة السنغافورية “نيكول أونغ” جانبا من القضية التي ما زالت محل جدل بيننا، حيث تنوء ظهور أبنائنا الطلبة وبناتنا الطالبات بحمل الحقائب المدرسية المحشوة بالدفاتر والكتب التي يزيد عدد صفحات بعضها على 600 صفحة، ويبقى الجانب الأهم الذي نعتقد أن مدارس سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان قد تخلصت منه منذ أمد أمد بعيد؛ ذلك هو جانب الحشو الذي تزخر به مناهجنا الدراسية مما لا يعود على الطالب بالكثير من النفع في المرحلة الدراسية التي يعيشها، وتحشو رأسه بالكثير من المعارف التي قد لا يحتاجها في حياته العملية، وتهمل في الوقت نفسه تعليمه طرق التفكير الصحيحة التي تعده للعصر الذي يعيش فيه، والعصور المقبلة التي لا يمكن لأحد أن يتصور شكل الحياة فيها، على ضوء ما نشاهده من تطور سريع في قطاع التكنولوجيا والمعارف، الأمر الذي يشعر الطالب بالفجوة بين بيئة المدرسة والواقع الذي يعيشه، وينفره بالتالي من الدراسة، حيث تصبح المدرسة بيئة ثقيلة على نفسه يتمنى الخروج منها بأقصى سرعة ممكنة.

ماذا يجدي لو نقلنا مناهجنا الدراسية الحالية إلى الأجهزة اللوحية الرقمية كما فعلت سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان، فوجد طالب الصف الخامس الإبتدائي الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، الدروس نفسها التي تتحدث عن عذاب القبر وسؤال الملكين، والضرب بمطارق من حديد بين أذنيه، وتضييق قبره عليه حتى تختلف أضلاعه، وغيرها من القصص التي تجعل الطفل يصحو من نومه مذعورا لكثرة الكوابيس التي يشاهدها جراء مثل هذه الدروس؟ وماذا يجدي لو نقلنا هذه المناهج فوجد الطالب أمامه مرة أخرى “لامية العرب” للشنفرى، ووجد نفسه يبحث في “لسان العرب” و”العباب الزاخر” و”القاموس المحيط” وغيرها من قواميس اللغة العربية عن “السِّيْد العَمَلَّس” و”الأرقط الزُّهْلُول” و”العَرْفَاء الجَيْأل” الذين اختارهم الشاعر أهلا له دون بني أمِّه الذين نأى عنهم؟ أي نقلة هذه التي سنكون قد أحدثنا في مناهجنا التعليمية، وأي تطور هذا الذي سنكون قد سعينا إليه؟

“مدرسة المستقبل” التي تخطط لها اليابان، كما تواتر في الأخبار، تختلف عن مدارس اليوم والغد والمستقبل التي نشاهدها لدينا، فهناك لن يتقدم الطالب للتسجيل وهو يحمل أي ورقة في يده، لا خلاصة القيد الأصلية وصورة منها، ولا جواز السفر الأصلي وصورة منه، ولا بطاقة الهوية الأصلية وصورة منها، كما يحدث عندنا. كل ما عليه أن يفعله هو أن يذكر لمسجل المدرسة رقم سجله المدني فيتم تسجيله آليا، بعد أن يجرى له فحص لقياس نسبة ذكائه، واختبار المبادئ الأساسية للكمبيوتر التي تعلمها من والديه، ثم يطلب منه الحضور في بداية العام الدراسي، حيث تسلمه المدرسة حقيبة بها كمبيوتر نقال، يطلب منه تسليمها في نهاية العام الدراسي لاستلام الجيل الأحدث من الكمبيوتر النقال في العام التالي، كما يستلم الطالب منهاجه الدراسي على أقراص مضغوطة مدعومة بنظام صوتي وصور ثلاثية الأبعاد، ويبدأ المعلم الدرس بالكمبيوتر المركزي في الفصل، بينما يتم التحاور باستخدام تقنية الاتصال بالألياف الزجاجية عند القيام بحل الواجبات المنزلية. أما تقويم الطالب في الاختبارات المدرسية فيتم عن طريق مشروع علمي يقوم به ويصور بتكنولوجيا الكاميرات الرقمية عالية النقاء التي ثبتت في الكمبيوتر.

لهذا فإن الطفل الياباني يحصل على نتائج عالية في الاختبارات الدولية التي تقيس القدرات في الرياضيات والعلوم أكثر من الطفل الأميركي والبريطاني والفرنسي وغيرهم من الجنسيات الأخرى. أما طالب المرحلة الثانوية البالغ من العمر 14 عاما فيكون قد تعرض لتعليم لم يتعرض له طالب أميركي إلا إذا بلغ من العمر 17 أو 18 عاما، ويعتبر المعلمون في اليابان كنزا ثمينا، فالشعور بالانتماء إليهم قوي، وكل عام يتقدم المزيد من طالبي وظائف التدريس الأكثر أهلية لوظائف شاغرة، لذلك نعتبر أي مقارنة بين معلمينا ومعلميهم ظالمة، مثلما هي المقارنة ظالمة بين مدارسنا ومدارسهم.

إن أي حديث عن التنمية لا يبدأ بتطوير التعليم هو حديث خارج السياق، وأي حديث عن تطوير التعليم لا يبدأ بالمنهج والمعلم وطرق التدريس وبيئة الدراسة هو حديث خارج المنطق، وكي نكون داخل السياق ملتزمين بالمنطق، علينا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، كي لا نضطر كل مرة إلى البحث عن بداية جديدة تعيدنا إلى أول السطر، بعد أن نكون قد قطعنا شوطا طويلا وأهدرنا وقتا ثمينا دون عائد يسير، أو نتيجة على الأرض تجعلنا نشعر بأننا على الطريق الصحيح نسير.